الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء

134

الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية

البلاغة حظّاً لا معنىً ولا لفظاً إلّابالكسب والطلب وبعد التعب والنصب ، عربي الجلدة كان أو غيرها ، على اختلافٍ في صعوبة الأمر ولينه وسهولته وحزونه بين الأُمم وآحادها وكلّ أُمّة وأفرادها . فمن ساعده استعدادُه ولُطف قريحته وصفاء جوهره - بمرافدة كدّه وكدحه وطلبه وسعيه - دخل في زمرة أهلها - على اختلاف طبقاتهم وتفاوت منازلهم من مبتدئٍ تالٍ أو متوسّط أو متعالٍ - وإلّا كان من الصنف الثاني ، وهو الأملس الجلدة ، العاري البشرة ، العادم التمييز ، الفاقد المعرفة ، الصفر الوِطاب « 1 » ، الخالي العياب ، من قليل هذا الأمر وكثيره ، وأيسره وخطيره . فالقسمة الحاصرة هنا بين النفي والإثبات : أنّ الناس في معرفة البلاغة إمّا عارف مجتهد ، أو جاهل مقلّد . ذاك من لم يجعل اللَّه له هذه الحاسّة ، ولا اكتسب تلك القوّة ، ولا مارس هذه الصنعة ، ولا ذاق طعم تلك الجرعة ، فهو عند الغاية ( أجارك اللَّه وعافاك ) كالأكمه والأصمّ الذي ليس له حاسّة إدراك الصور المعجبة وسماع النغمات المطربة . [ تسجيل الحجّة في الإعجاز على الناس ، وطريق ذلك ، وذكر نماذج لآيات الإعجاز ] وحيث استبان لديك أنّ الناس في معرفة هذا الأمر لا تعدو هذين الصنفين ، فنحن - بفضل اللَّه ( تعالى ) - نُسجّل الحجّة على كلٍّ منهما ، ونُعيّن له سبيل الوصول إلى هذه الغاية ، وندلّه على أسباب حصول اليقين والدراية ، حتّى

--> ( 1 ) الوَطَب : سِقاء اللبن . ( تهذيب اللغة 14 : 28 ) .